صديق الحسيني القنوجي البخاري
156
فتح البيان في مقاصد القرآن
من اليهود والنصارى وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا أي جعله صفوة له وخصه بكراماته ، وفيه إظهار في مقام الإضمار لتفخيم شأنه ، والتنصيص على أنه متفق على مدحه . وفائدة هذه الجملة تأكيد وجوب اتباع ملته لأن من بلغ من الزلفى عند اللّه أن اتخذه خليلا كان جديرا بأن يتبع ملته ، قال ثعلب إنما سمي الخليل خليلا لأن محبته تتخلل القلب فلا تدع فيه خللا إلا ملأته ، وخليل فعيل بمعنى فاعل كالعليم بمعنى العالم ، وقيل هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب ، وقد كان إبراهيم عليه السلام محبوبا للّه ومحبا له ، وقيل الخليل من الاختصاص ، فاللّه سبحانه اختص إبراهيم برسالته في ذلك الوقت واختاره لها ، واختار هذا النحاس . قال الزجاج : معنى الخليل الذي ليس في محبته خلل ، أخرج الحاكم وصححه عن جندب أنه سمع النبي صلى اللّه عليه وآله وسلم يقول قبل أن يتوفى : « إن اللّه اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا » « 1 » وأخرج الحاكم أيضا وصححه عن ابن عباس قال : أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى والرؤية لمحمد صلى اللّه عليه وآله وسلم « 2 » ، وفي تعريف الخلة والسبب الذي من أجله اتخذ اللّه إبراهيم خليلا أقوال ذكرها أهل التفسير . وَلِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ملكا وخلقا وعبيدا ، فيه إشارة إلى أنه سبحانه اتخذ إبراهيم خليلا لطاعته لا لحاجته ولا للتكثر به والاعتضاد بمخاللته ، وإنما قال ما ولم يقل ( من ) لأنه ذهب به مذهب الجنس والذي يعقل إذا ذكر وأريد به الجنس ذكر بلفظ ما قيل مستأنفة لتقرير وجوب طاعة اللّه وقيل لبيان أن الخلة لا تخرج إبراهيم عن رتبة العبودية . وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً هذه الجملة مقررة لمعنى الجملة التي قبلها أي أحاط بكل شيء علما وقدرة لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . [ سورة النساء ( 4 ) : آية 127 ] وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّساءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَما يُتْلى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ فِي يَتامَى النِّساءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ ما كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتامى بِالْقِسْطِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِهِ عَلِيماً ( 127 ) وَيَسْتَفْتُونَكَ يطلبون منك الفتوى وهي بالواو فتفتح الفاء ، وبالياء فتضم وهي اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم واستفتيته سألته أن يفتي ، والجمع الفتاوى بكسر الواو على الأصل ، وقيل يجوز الفتح للتخفيف .
--> ( 1 ) المستدرك 2 / 550 . ( 2 ) المستدرك 2 / 469 .